والجوابُ عن هذا الإِشكالِ مأَخوذٌ من الأوجه المتقدِّمة فِي النصب والجر المذكورَيْن فِي"أَشَدَّ"؛ من حيث أن يُجْعَلَ الذِّكْرُ ذاكراً مجازاً؛ كقولهم:"شِعْرٌ شَاعِرٌ"؛ كما قال به الفارسيُّ وصاحبُه، أو يُجْعَلَ"أَشَدَّ"من صفاتِ الأعيان، لا من صفاتِ الإِذكار؛ كما قال به الزمخشريُّ، أو يُجْعَلَ"أَشَدَّ"حالاً من"ذكْراً"أو ننصبّه بفعْلٍ و"أو"هنا قيل للإِباحةِ، وقيل للتخيير، وقيل: بمعنى بَلْ، وهو قول أكثر المفسِّرين.
قوله: {فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا} "مَنْ"مبتدأٌ، وخبرُه فِي الجارِّ قبله، ويجوز أن تكونَ فاعلةً عند الأخفش، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، وفي هذا الكلام التفاتٌ؛ إذ لو جَرَى على النسقِ الأولِ، لقيل:"فَمِنْكُمْ"، وحَمِل على معنى"مَنْ"؛ إذ جاء جَمْعاً فِي قوله:"رَبِّنَا آتِنَا"، ولو حُمِل على لفظِها، لقال"رَبِّ آتِني".
وفي المفعول الثاني لـ"آتِنَا"- لأنه يتعدَّى لاثْنَيْنِ ثانيهما غيرُ الأَوَّل - ثلاثةُ أقوال:
أظهرها: أنه محذوفٌ؛ اختصاراً أو اقتصاراً؛ لأنه من باب"أَعْطَى"، أي: آتِنا ما نُريدُ، أو مطلوبَنَا.
والثاني: أن"فِي"بمعنى"مِنْ"أي: من الدنيا.
والثالث: أنها زائدٌ، أي: آتِنا الدنيا، ولَيْسَا بشيء.
قوله تعالى: {فِي الآخرة حَسَنَةً} [البقرة: 201] يجوز فِي الجارِّ وجهان.
أحدهما: أن يتعلَّق بـ"آتنا"كالذي قبله.
والثاني: أجازه أبو البقاء أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حالٌ من"حَسَنَةٌ"؛ لأنه كان فِي الأصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها، انتصَبَ حالاً.