واعلم أن الصوم مضاف إلى الله تعالى فِي قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى""الصوم لي وأنا أجزي به"والحج أيضاً مضاف إليه تعالى فِي الآية {وأتموا الحج والعمرة لله} وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضاً يدل على ذلك . أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وهو مع ذلك شاق على النفس جداً ، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات ، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله تعالى . ثم إن هذا الصوم بعضه واقع فِي زمان الحج فيكون جمعاً بين مشقتين ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة ، والأجر على قدر النصب ، فلا جرم وصفه الله تعالى بالكمال فِي باب العبادة والتنكير فِي اللفظ أيضاً يؤيد ذلك زادنا الله اطلاعاً على لطائف قرآنه العظيم {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} اختلف العلماء فِي أن المشار إليه ماذا؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام . وقال الشافعي: بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع . وأيضاً قوله {فمن تمتع} عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي . وأيضاً إنه تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية فِي تحريمهم العمرة فِي أشهر الحج ، والنسخ يثبت فِي حق الناس كافة . ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه . وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء ، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم ."