4 -رأينا أنه من المستثنين من الأمر بالقتال، الذين لا يقاتلون. فدخل في ذلك أصناف من الناس. وفي هؤلاء الأصناف يقول القرطبي:
(والقتال لا يكون في النساء، ولا في الصبيان، ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى، والشيوخ، والأجراء، فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد ابن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام. إلا أن يكون لهؤلاء إذاية. أخرجه مالك وغيره.
وللعلماء فيهم صور ست:
الأولى: النساء. إن قاتلن، قتلن، قال سحنون: في حالة المقاتلة وبعدها. لعموم قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. وللمرأة آثار عظيمة في القتال. منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال. وقد يخرجن ناشرات شعورهن، نادبات مثيرات معيرات بالفرار. وذلك يبيح قتلهن. غير أنهن إذا حصلن في الأسر، فالاسترقاق، أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن. وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال.
الثانية: الصبيان. فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم، فإن قاتل الصبي قتل.
الثالثة: الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون. بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم.
وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر. لقول أبي بكر ليزيد. (وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله. فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له) . فإن كانوا مع الكفار في الكنائس، قتلوا. ولو ترهبت المرأة، فروى أشهب أنها لا تهاج. وقال سحنون:
لا يغير الترهب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله: فذرهم وما حبسوا أنفسهم له.
الرابعة: الزمنى. قال سحنون: يقتلون. وقال ابن حبيب: لا يقتلون. والصحيح أن تعتبر أحوالهم. فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة، وصاروا حالا على حالهم وحشوة.