وإذا نظرنا إلى هذا النهي من خلال وروده بعد آيات القتال، فهمنا منه أنه نهي عن ترك الجهاد. وأن ترك الجهاد هو الهلاك. وهكذا فسرها أبو أيوب الأنصاري. روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه. ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية. إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه. فلما فشا الإسلام، وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا. فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه حتى فشا الإسلام وكثر أهله. وكنا قد آثرناه على الأهلين، والأموال، والأولاد. وقد
وضعت الحرب أوزارها. فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل فينا:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد).
وقد لاحظنا أن هذه الاتجاهات الثلاثة الرئيسية في فهم هذا النص، سببها ملاحظة النص مجردا، أو السياق القريب، أو السياق العام. وهذا قد يكون أبرز مثال من خلال كلام أئمة التفسير لما حاولنا إبرازه سابقا من أن هذا القرآن معانيه لا تتناهى.
فمن خلال المعنى المجرد للنص، ومن خلال السياق القريب، والسياق العام، والوحدة القرآنية، ومن خلال عبارة النص، ومن خلال إشارة النص، تتولد معاني لا تتناهى.
وكل يأخذ من كتاب الله على قدر ما قسمه الله له وهذه المعاني كلها حق. فما أكثر جناية من كفر بهذا القرآن.
وهناك اتجاهان آخران في فهم قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ:
اتجاه يفهم من خلال النص المجرد واتجاه من خلال السياق القريب.
الاتجاه الأول: تفسير الهلاك بالهلاك الأخروي. وذلك بالذنب، والاستمرار عليه. وهو تفسير النعمان بن بشير رضي الله عنه. قال: «إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له. فيلقي بيده إلى التهلكة. أي يستكثر من الذنوب فيهلك» .