إلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا بِمَا عَوَّضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ فَوَاتِ الْعُمْرَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ شَهْرًا مِثْلَهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الَّذِي أُبْدِلَ كَحُرْمَةِ الشَّهْرِ الَّذِي فَاتَ ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ثُمَّ عَقَّبَ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فَأَفَادَ أَنَّهُمْ إذَا قَاتَلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ
فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَبْتَدِئُوهُمْ بِالْقِتَالِ.
وَسَمَّى الْجَزَاءَ اعْتِدَاءً لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجِنْسِ وَقَدْرُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمُعْتَدِيَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الظَّالِمُ.
وقَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} عُمُومٌ فِي أَنَّ مِنْ اسْتَهْلَكَ لِغَيْرِهِ مَالًا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَذَلِكَ الْمِثْلُ يَنْقَسِمُ إلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِثْلُهُ فِي جِنْسِهِ وَذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ ، وَالْآخَرُ: مِثْلُهُ فِي قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ نِصْفَ قِيمَتِهِ ،} فَجَعَلَ الْمِثْلَ اللَّازِمَ بِالِاعْتِدَاءِ هُوَ الْقِيمَةَ ، فَصَارَ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي أَنَّ الْمِثْلَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيَكُونُ اسْمًا لَهَا.