وقد يجوز أن يكون أراد العبادات التي يتعجل منها ثواب في الدنيا فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يذكر الجهاد لأنه قد يتعجل ثوابه في الدنيا وهو الغنيمة.
وعلى أنه قد جاء ذكره في بعض الأخبار، لأنه روى أي العمل أفضل، فقال: «الصوم في يوم الصيف، وجهاد أعداء الله بالسيف» .
وقد ذكر مع الصوم في غير هذا الحديث، ويجوز أن يكون ذكر خمساً لا تسقط عن أحد بأن يفعله غيره لنفسه.
والجهاد ليس كذلك، لأن النفير إذا وقع فخرج من تقع بهم الكفاية ودفعوا العدو، سقط الفرض عن الباقين.
ويقال: أراد خمساً لا يمكن أن يتوصل إليها إلا مع الإسلام، فإن الصلاة لا تصح إلا من مسلم، والزكاة لا تؤخذ إلا من مال مسلم، والصوم لا يجوز إلا من مسلم، والحج لا يتأذى إلا من مسلم، سواء حج بنفسه أو حج عنه غيره.
وليس كذلك الجهاد، لأن المسلمين إذا احتاجوا إلى المشركين فلهم أن يستأجروهم على القتال معهم، فإذا قاتلوا كان ذلك جهاداً للمسلمين، ولو أن عاجزاً عن الحج استأجر كافراً ليحج عنه ما صح ذلك ولا أجزى.
فإنما عد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في هذا الحديث الأركان التي لا يمكن تحصيلها إلا بنفس مسلمة.
فإن قيل: أليس الزكاة تؤخذ من المرتد فتجزي عنه؟
قيل: لا تؤخذ زكاة وإنما يؤخذ ديناً لأهل الصدقة ينتفعون بها، ولا تعود على المأخوذ منه وهو كافر، لأنها لا تزكيه ولا تطهره.
وما جاء به الكتاب من فضل الجهاد على وجوه:
فمنها التحريض عليه والإشارة على فضله، وضمان الثواب عليه.
ومنها الدلالة على فائدته ومنفعته والتقية على الضرر الذي في التخلف عنه.
ومنها مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم.
ومنها إعطاء من يقتل في سبيل الله اسم الشهادة.
والأخبار بجنانه عنده.
فأما ما جاء في الحث عليه، فقوله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .