ومن أنكر ما قلنا محتجاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - غزا الطائف في ذي القعدة، فليست حجته بالبينة، لأنه لما غزا هوازن غزاها لست بقين من رمضان، فكانت جمعت جموعاً كثيرة منها ثقيف.
فلما فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلّم - انهزم المشركون إلى الطائف.
فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - غزا الطائف في شوال، فكان هذا معارض لما رواه غيرنا.
فإن ثبتت له روايته، فقد يجوز أن يكون غزاهم في شوال فلم ينفصل الأمر معهم حتى دخل ذو القعدة.
وكان لإمامهم إن رجع أن تكون منهم عطفه على المسلمين، فلم ينصرف.
أن يكون علم أن المشركين انهزموا إلى الطائف ليستظهروا بمن فيها فيكروا.
فقصد الطائف يريد الذين قاتلوه، ثم انحاز إلى غيرهم وكان ذلك في معنى قتال المقابله لا في معنى الابتداء والله أعلم.
ولو أردت أن أستوفي جميع ما في القرآن من الآيات الدالة على فرض قتال المشركين لخرج هذا الكتاب عن الحد الموضوع، وفي الآية الواحدة بما كتبت كفاية، فكيف في جميعها؟
ونقول: إن الجهاد من أعظم أركان الإسلام لأنه لا شيء أعز على أحد من الحياة، فإذا بلغ بأحد تعظيم الله تعالى حده وحبه، والغيظ من يشرك به وبغضه إن قاتله، ورضي بما يؤول أمره إليه من أن يقتل أو يقتل، فأبت نفسه أن يرى عدواً لله ما شاء على وجه الأرض منعماً بالحياة متقلباً في نعمة الله جل جلاله، ثم هو في ذلك كله يكفر به، فإما أن يجحده وإما أن يشرك به من لا خلق له، فلا رزق منه ولا ضر ولا يقع بتوقع منه، فدعته الحمية إلى أن يجاهده.
فإما أن يرده إلى الحق، وإما أن يقتله.
ثم إن قتل العدو، فلا هم من ذلك على قلبه، بأن يخرج من الدنيا فلا يحتاج إلى أن يلقى عدواً لله بالصفة التي ذكرناها.
فكان الموت أحب إليه من لقائه، وجب أن يعلم أن إيمانه أصدق الإيمان، وأن إخلاصه أكمل الإخلاص، فلذلك زود الله تعالى من ذكر فضل الجهاد بعدما كره من أحكام فرضه ما لم يفعله منها في فريضة من فرائض الإسلام.
وجاء من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلّم - في مثل هذا ما لم يجئ في شريعة من شرائع الإسلام.
وسنذكر ما تيسر من الآي والأخبار في ذلك إن شاء الله.
فإن قال قائل: فما بال الجهاد لم يذكر في الحديث الذي قيل فيه: «بني الإسلام على خمس» ؟
قيل: ولم تذكر في بعضها الشهادة بأن محمداً رسول الله، فلا يدل ذلك على أنها ليست من أركان الإيمان.