وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ ، فَأَجَازَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى
تَعْلِيمِهِ كَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّعْلِيمِ يَصُدُّ عَنِ التَّفَرُّغِ لِلْكَسْبِ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُخْرَى ، فَإِذَا لَمْ نَجْزِ الْمُعَلِّمَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْنَا أَنْ نَجِدَ مَنْ يَتَصَدَّى لِتَعْلِيمِ الْأَوْلَادِ ، وَلَيْسَ زَمَنُنَا كَزَمَانِ السَّلَفِ يَتَفَرَّغُ فِيهِ النَّاسُ لِنَشْرِ الْعِلْمِ وَإِفَادَتِهِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مَنْ عَلَّمَ الْعِلْمَ وَالدِّينَ بِالْأُجْرَةِ فَهُوَ كَسَائِرِ الصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ ، لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى أَصْلِ الْعَمَلِ بَلْ عَلَى إِتْقَانِهِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ وَالنُّصْحِ فِيهِ وَالنُّصْحِ لِمَنْ يُعَلِّمُهُمْ . وَأَذْكُرُ أَنَّنِي سَمِعْتُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ الَّذِي يُعْطَى رَاتِبًا مِنَ الْأَوْقَافِ الْخَيْرِيَّةِ أَنْ يَأْخُذَ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِأَجْلِ سَدِّ الْحَاجَةِ لَا بِقَصْدِ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ عَابِدًا لِلَّهِ تَعَالَى بِالتَّعْلِيمِ نَفْسِهِ ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَسْتَعْفِفَ إِذَا هُوَ اسْتَغْنَى ، فَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْوَقْفِ شَيْئًا .
وَقَالُوا فِي الْمُؤَذِّنِ مِثْلَ مَا قَالُوا فِي مُعَلِّمِ الْقُرْآنِ ، وَيَأْتِي فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُعَلِّمِ .
وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ عَنْ مَسْأَلَةٍ دِينِيَّةٍ تَعْرِضُ لَهُ ; إِذِ الْإِجَابَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى الْعَارِفِينَ وَكِتْمَانُ الْعِلْمِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ ، وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَوْضِعٌ آخَرُ .