عَلَيْهِ سُنَّةُ الْكِتَابِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى اسْتِهْجَانِهِ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ وَإِنْ حَلَّ فَهُوَ مِنَ الْحَلَالِ الْمَكْرُوهِ عَلَى الْجُمْلَةِ . وَقَوْلُهُ: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) قَوْلٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيَانِ سَبَبِ الْحُكْمِ ; أَيْ: إِذَا كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ هَذِهِ الْمُلَابَسَةُ وَالْمُخَالَطَةُ ، فَإِنَّ اجْتِنَابَهُنَّ عُسْرٌ عَلَيْكُمْ ، فَلِهَذَا رَخَّصَ لَكُمْ فِي مُبَاشَرَتِهِنَّ لَيْلَةَ الصِّيَامِ . قَالَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ ، فَهُوَ يَرَى أَنَّ لَفْظَ (لِبَاسٌ) هُنَا مَصْدَرٌ (لَابَسَهُ) بِمَعْنَى: خَالَطَهُ وَعَرَفَ دَخَائِلَهُ ، لَا بِمَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ إِطْلَاقِ اللِّبَاسِ وَالْإِزَارِ عَلَى الْمَرْأَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ هُنَّ سَكَنَ لَكُمْ وَأَنْتُمْ سَكَنَ لَهُنَّ . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُعَانَقَةِ ، وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بُقُولِ الذُّبْيَانِيِّ:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاسًا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ السَّتْرِ الْمَقْصُودِ مِنَ اللِّبَاسِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ سَتْرٌ لِلْآخَرِ وَإِحْصَانٌ لَهُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْغَشَيَانِ وَالتَّغَشِّي مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ عَنْ وَظِيفَةِ الزَّوْجِيَّةِ .