بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنْهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ وَلَا وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ يُبَلِّغُهُ دُعَاءَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ ، أَوْ يُشَارِكُهُ فِي إِجَابَتِهِمْ أَوْ إِثَابَتِهِمْ ، لِيَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي وَجْهِ الِاتِّصَالِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِصَوْمِ الشَّهْرِ وَمُرَاعَاةِ الْعِدَّةِ ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكْبِيرِ وَالشُّكْرِ ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ خَبِيرٌ بِأَحْوَالِهِمْ ، سَمِيعٌ لِأَقْوَالِهِمْ مُجِيبٌ لِدُعَائِهِمْ ، مُجَازٍ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، تَأْكِيدًا لَهُ وَحَثًّا عَلَيْهِ ا هـ .
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ لِتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ وَإِصْلَاحِ النَّفْسِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ أَنْ يُبَيِّنَ مَعَ كُلِّ حُكْمٍ حِكْمَةَ تَشْرِيعِهِ وَفَائِدَتَهِ فِي تَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ ، وَيَمْزُجُ الْكَلَامَ فِيهِ بِمَا يُذَكِّرُ بِعَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَيُعِينُ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَيُثْبِتُ الْإِيمَانَ بِهِ كَهَذِهِ الْآيَةِ . وَيَا لَيْتَ فُقَهَاءَنَا اقْتَدَوْا بِهَدْيِ الْقُرْآنِ
فَلَمْ يَجْعَلُوا كُتُبَ الْأَحْكَامِ جَافَّةً مَقْصُورَةً عَلَى ذِكْرِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ ، كَأَنَّ الدِّينَ دِينٌ مَادِّيٌّ جُسْمَانِيٌّ لَا غَرَضَ لِلْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ فِيهِ .