يَا حُسْنَهُ وَمَصَابِيحُ النُّجُومِ تُزْهِرُ وَالنَّاسُ قَدْ نَامُوا وَهُوَ فِي الْخَيْرِ يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وَعَيْنُ الْعَيْنِ أَطْهَرُ، فَلَمَّا قَضَى وِرْدَ الدُّجَى جَلَسَ يَتَفَكَّرُ، فَخَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ كَيْفَ يَمُوتُ وَكَيْفَ يُقْبَرُ، وَتَصَوَّرَ صَحَائِفَهُ كَيْفَ تُطْوَى وَكَيْفَ تنشر، فهام قلبه فِي بَوَادِي الْقَلَقِ وَتَحَيَّرَ، فَطَلَّقَ الدُّنْيَا ثَلاثًا وَهَلْ يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ.
(طَوَى مُدَّةً مِنْ دَهْرِهِ دَارَ زُخْرُفٍ ... إِلَى أَبَدٍ ذِي سُنْدُسٍ وَحَرِيرِ)
(أَلا تِلْكُمُ الدَّارُ الَّتِي حَلَّ أَهْلُهَا ... بِنَاءٍ عَنِ الْخَطْبِ الْمُخَوِّفِ شَطِيرِ)
(لَهُمْ مَا اشْتَهَوْا فيها مَسُوقًا إِلَيْهِمُ ... مَقُودًا إِذَا شَاءُوا بِغَيْرِ جَرِيرِ)
(فصل)
إِخْوَانِي: اسْتَدْرِكُوا بَاقِي الشَّهْرِ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الدَّهْرِ، وَاحْصُرُوا النُّفُوسَ عَنْ هَوَاهَا بِالْقَهْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ بِالْحُورِ الْعِينِ فَاهْتَمُّوا بِالْمَهْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِسَنَدِهِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ رَمَضَانَ".
عِبَادَ اللَّهِ: اعْلَمُوا أَنَّ النِّصْفَ الأَخِيرَ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ، لأَنَّ فِيهِ الْعَشْرَ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَالأَعْمَالُ تُضَاعَفُ بِشَرَفِ وَقْتِهَا وَمَكَانِهَا.
(قَدْ بَلَغَ الشَّهْرُ إِلَى نِصْفِهِ ... وَلَيْسَ عَنِّي الشَّهْرُ بِالرَّاضِي)
(ظَلَمْتُ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي حَقِّهِ ... يَا وَيْلَتَا إِنْ عَدَلَ الْقَاضِي)
أَتُرَى صَحَّ لَكَ صَوْمُ يَوْمٍ، أَتُرَى تَسْلَمُ فِي شَهْرِكَ من لوم، أترى لفيك خلوق أم فيك خَلاقٌ، مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ أَجْرُ صَائِمٍ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَصُومَ رَمَضَانَ سِتِّينَ يَوْمًا.
(أَيُّهَا الرَّاقِدُ عَنْ نُهْزَتِهِ ... مَا يَرُوعُ السَّيْفَ حَتَّى يشهرا)
(وأبي المجد لقد فَازَ بِهِ ... سَالِكٌ فِيهِ الطَّرِيقَ الأَوْعَرَا)