وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدر هضم النفس يترقى العبد فِي مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان . وفي إنزال القرآن فِي رمضان أقوال . فعن سفيان بن عيينة أنزل فِي فضله القرآن كما تقول أنزل فِي علي عليه السلام كذا . وقال ابن الأنباري: أنزل فِي إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله فِي الزكاة كذا أي فِي إيجابها ، وأنزل فِي الخمر كذا أي فِي تحريمها . والقولان متقاربان ، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} الآيات . واختيار الجمهور أن الله تعالى أنزل القرآن فِي رمضان . عن النبي صلى الله عليه وسلم"نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين"ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع ، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر . ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها . وهذا قول محمد بن إسحاق . أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا فِي ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً ، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة فِي إنزال ذلك إليهم ، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات . ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان . وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم نزله على محمدٍ صلى الله عليه وسلم منجماً إلى آخر عمره . ويحتمل أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل