اسْتِخْرَاجِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى سِعَةِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ ، وَإِنْ كَانَ عِلْمًا بِإِبْطَالِ الْقُرْآنِ بَادِي الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تُضَاهِي حُجَّةَ الْقُرْآنِ فِي الْقَطْعِ وَالْقُوَّةِ . وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْسَبَ هَذَا هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدُ اللهِ عَظِيمٌ .
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أَيْ: مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ ; أَيْ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَفْطَرَ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَصُمْهَا ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ عُرْضَةٌ لِاحْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ بِالصِّيَامِ ، وَإِطْلَاقِ كَلِمَةِ (مَرِيضًا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْمَرَضِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَعْسُرُ مَعَهُ الصَّوْمُ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ; لِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ تُقْرَنُ بِمَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ تَحْقِيقًا لِلرُّخْصَةِ ، فَرُبَّ مَرَضٍ لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ ضَارًّا بِالْمَرِيضِ وَسَبَبًا فِي زِيَادَةِ مَرَضِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ ، وَتَحْقِيقُ الْمَشَقَّةِ عُسْرٌ ، وَعِرْفَانُ الضَّرَرِ أَعْسَرُ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى
تَقْيِيدِهِ بِالْمَرَضِ الَّذِي يَعْسُرُ الصَّوْمُ مَعَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وَلَا دَلِيلَ فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الرُّخْصَةِ ، وَكَمَالُهَا أَلَّا يَكُونَ فِيهَا تَضْيِيقٌ .