وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُجَوِّزَ كِتْمَانِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَصْحِيحُ مُعْجِزَاتِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَاخْتِلَافِ هِمَمِهِمْ وَتَبَاعُدِ أَوْطَانِهِمْ إذَا جَازَ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُ أَمْرِ الْإِمَامَةِ فَجَائِزٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ ؛ إذْ كَانَ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكِتْمَانِ فَجَائِزٌ فِيهِ التَّوَاطُؤُ عَلَى وَضْعِ خَبَرٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ لَا نَأْمَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُونَ بِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا مُتَوَاطِئِينَ عَلَى ذَلِكَ كَاذِبِينَ فِيهِ كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى كِتْمَانِ النَّصِّ عَلَى الْإِمَامِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ النَّاقِلِينَ لِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ الَّذِينَ زَعَمَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ أَنَّهَا كَفَرْتَ ،
وَارْتَدَّتْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتْمَانِهَا أَمْرَ الْإِمَامِ ، وَأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْتَدُّوا مِنْهُمْ كَانُوا خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً ، وَخَبَرُ هَذَا الْقَدْر مِنْ الْعَدَدِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ مُعْجِزَةٌ ، وَخَبَرُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ وَالْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَهُمْ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمْ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ ، فَصَارَ صِحَّةُ النَّقْلِ مَقْصُورَةً عَلَى الْعَدَدِ الْيَسِيرِ ، فَلَزِمَهُمْ دَفْعُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْطَالِ نُبُوَّتِهِ.