قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] فهذه أسباب العتق، وقد بقي منك العمل، فلا تفتر فإنَّها أعظم جائزة وأفضل غنيمة.
فمن هذه الأسباب:
(1) الإخلاص.
قال - صلى الله عليه وسلم: {لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرَّم الله عليه النار} [رواه البخاري]
ومن أظهر علاماته: النشاط في طاعة الله، وأنْ يحب أن لا يطلع على عمله إلا الله.
قيل لذي النون: متى يعلم العبد أنَّه من المخلصين؟ قال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند النَّاس.
فإذا أردت الفوز بهذه المنزلة العظيمة فجدَّ واجتهد، وشد المئزر، وأرِ الله من نفسك شيئًا يبلغك رضاه، وبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، وعلى قدر جدِّك يكون جدُّك،
قال الصديق أبو بكر - رضي الله عنه: والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فسهوت، وإنِّي لعلى السبيل ما زغت.
قيل للربيع بن خثيم: لو أرحت نفسك؟ قال: راحتها أريد.
فجُد بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايتك، وتحقيق بغيتك؛ فالمكارم منوطة بالمكاره، والمصالح والخيرات لا تُنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب.
فكل شيء نفيس يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله،
يقول ابن الجوزي في"صيد الخاطر": فلله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة، وهم لها سابقون.
يقول:"ولقد تأملت نيل الدر من البحر فرأيته بعد معاناة الشدائد، ومن تفكر فيما ذكرته مثلا بانت له أمثال، فالموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له فانتهب حتى اللحظة، وزاحم كل فضيلة، فإنها إذا فاتت فلا وجه لا ستدراكها."