فلا يستطيع المؤمن أن يداوم على طاعة الله تعالى ويتزوَّد منها إلا إذا كان صحيح البدن، سويّ الخلقة، قوي البنية، ولا يتم ذلك بكثرة الطعام وبالإسراف في المأكل والمشرب، بل وحسب المؤمن لقيمات يقمن ظهره، فنحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، ولما كان الإنسان لا يستطيع ضبط نفسه من شدة الإقبال على الطعام والإفراط فيه، شرع الله تعالى رحمة بعباده فريضة الصيام شهرًا في كل عام، يرد إلى الجسم توازنه وقواه وسلامته ونشاطه؛ فالمؤمن القوي في عقله وبدنه وكيانه ودينه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، لقد كانت حكمة الله اللطيف الخبير أن يفرض على المؤمنين فريضة الصيام قبل معركة بدر الكبرى، وهي المعركة الفاصلة بين الكفر والإيمان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة؛ ليُعِدَّ الله -عز وجل- من المؤمنين جندًا قويًّا في بدنه، وفي إيمانه، فقد صاموا أكثر من نصف شهر رمضان قبل دخولهم المعركة، فكان الصحابي منهم بعشرة من الكفار، لأن الصيام نقى جسدهم من الأمراض، وخلَّص جوفهم من كل داء، فالمعدة بيت
الداء، والحَمَيَّة رأس الدواء، فالصيام يقضي على أمراض الجسد والجهاز الهضمي من سوء الهضم والتخمة والبطنة والسمنة، ويخلصه من الرواسب والسموم والفضلات، ويطهر الأمعان ويقضي على البطر والغفلة بسبب الشبع وكثرة مباشرة النساء، ويغدو الإنسان رشيقًا قويًّا ضامرًا؛ فيعود إليه توازنه واتزانه، وفيما رواه ابن السني وأبو نعيم عن النبي -صلى الله عليه وسلم:"صوموا تصحوا"، وحسنه السيوطي، فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم-"الصوم وجاء ليقطع شهوة النكاح لمن لم يستطع مؤنة الزواج"، وكما قال أيضًا:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع"، فتنغلق أمامه أبواب الشهوات والملذات والوساوس والتردد وتناقض الفكر والمزاج.
وأما البناء الأخلاقي: