فأما تقريره شهراً، فلأن الصوم فيما دونه لا يبين كثيراً في قمع الشهوات، وتقرير موقع النعمة بالطعام والشراب وفيما فوقه يتدرج ويسبق ويخرج الشهر عدل بين ذلك، لأنه ليس من المدة التي لا يجعل غرض الصوم فيها لغيره، ولا من المدد التي تجمع إلى تحصيل غرض الصوم فيها الإخراج والتسبق، فقصر الغرض على شهر لهذا المعنى إن شاء الله.
ثم جعل ذلك الشهر شهر رمضان، لأنه هو الذي أنزل فيه القرآن، الجامع للأمر والنهي والوعد والوعيد، فكان أولى بأن يكون تعظيم النفس ورياضتها فيه ليكون إلى العمل بما جاء به القرآن أساساً.
وعليه أحرص، قال الله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} .
ثم أبان أنها شهر رمضان، ثم أشار إلى معناه، فقال: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .
ومعنى أنزل القرآن فيه: بأنه ينزل في كل ليلة قدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ما ينزل إلى مثلها من الغمام.
ثم كان جبريل عليه السلام ينزله تخوفاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - طول السنة، فأنزل القرآن كله من اللوح إلى بيت العزة في عشرين ليلة من عشرين سنة، بهذا جاءت الرواية والله أعلم.
وشهر الصوم له أسماء: أحدها شهر رمضان.
وقد جرت العادة بأن لا يقال رمضان كما يقال رجب وشعبان، وإنما يقال: «شهر رمضان» والآخر: شهر الصبر، والثالث حطة، والرابع: سيد الشهور.
وأما قولهم، شهر رمضان، فلأن الله عز وجل، هكذا ذكر في كتابه.
وأغلب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من ذكره فعلى هذه الصفة.
ويقال: إن من السلف من كان يكره أن يقال: جاء رمضان، وذهب رمضان، ويقول: لا يدري، لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى، تأويل هذا القول يلزمه أن يقول في رجب وشعبان وشوال وصفر مثل قوله في رمضان وإلا فهو متناقض واشتقاق الاسم يدل على أنه لا يجوز بأن يكون من أسماء الله تعالى، لأنه من الرمض، وهو القلق من شدة الحر.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ذكر رمضان، وعن أصحابه لذلك مجرداً عن ذكر الشهر، لكن الأغلب أنهم لم يذكروه إلا مفرداً باسم الشهر تحرياً لموافقة الكتاب، وهو قول الله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .