يُؤْمِنُوا حَقَّ الْإِيمَانِ بِكِتَابِهِمْ إِذْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ إِيمَانُهُمْ صَحِيحًا لَقَارَنَهُ الْإِذْعَانُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّقْلِيدِ كَانُوا كَمَنْ نَزَلْ فِيهِمْ (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمِنًا قُلْ لَمْ تُؤَمِّنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (49: 14 ، 15) فَهَذَا الْإِيمَانُ الَّذِي حَصَرَ اللهُ الصِّدْقَ فِي أَصْحَابِهِ كَانَ قَدْ فُقِدَ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا هُوَ حَالُ مَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، فَإِنَّ الَّذِي تَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ صَارَ نَادِرًا جِدًّا وَلِذَلِكَ حُرِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعِزَّةِ وَالنَّصْرِ ، وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ ، وَلَنْ يَعُودَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعُودُوا إِلَى التَّخَلُّقِ بِمَا مَيَّزَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ ، فَالْإِيمَانُ بِالْكِتَابِ
يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِهِ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوقِنَ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ قَبِيحٌ ضَارٌّ لَا تَتَوَجَّهُ إِرَادَتُهُ إِلَى إِتْيَانِهِ ، وَالْمُؤْمِنَ الْمُوقِنَ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ حَسَنٌ نَافِعٌ لَا بُدَّ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ .