والحالان بينهما فرق؛ لأنه على الحال الأولى انقلبت من الرجس إلى الطهارة؛ وعلى الحال الثانية هي على رجسيتها لكن هناك ما يقي مضرتها - وهو الضرورة -؛ وهذه الحال أقرب؛ لأنه لو كان عند الضرورة يزول خبثها لكانت طيبة تحل للمضطر، وغيره؛ ويؤيده الحس: فإن النفس كلما كانت أشد طلباً للشيء كان هضمه سريعاً، بحيث لا يتضرر به الجسم؛ وانظر إلى نفسك إذا أكلت طعاماً على طعام يتأخر هضم الأول، والثاني - مع ما يحصل فيه من الضرر -؛ لكن إذا أكلت طعاماً وأنت جائع فإنه ينهضم بسرعة؛ ويشهد لهذا ما يروى عن صهيب الرومي أنه كان في عينيه رمد؛ فجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر وهو حاضر؛ فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد صهيب أن يأكل منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تأكل تمراً وبك رمد» ـ لأن المعروف أن التمر يزيد في وجع العين - فقال: «إني أمضَغ من ناحية أخرى» أي إذا
كانت اليمنى هي المريضة بالرمد أمضغه على الجانب الأيسر؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ومكنه من أكله؛ قال ابن القيم - رحمه الله: «إن الحكمة في أن الرسول مكنه - مع أن العادة أن هذا ضرر -؛ لأن قوة طلب نفسه له يزول بها الضرر: ينهضم سريعاً، ويتفاعل مع الجسم، ويذهب ضرره» -
14 ــــ ومن فوائد الآية: أن من تناول المحرم بدون عذر فهو آثم؛ لقوله تعالى: {فلا إثم عليه} ؛ فعُلم منها أن من كان غير مضطر فعليه إثم -
15 ــــ ومن فوائد الآية عند بعض أهل العلم: أن العاصي بسفره لا يترخص؛ لقوله تعالى: غير باغ ولا عاد فإنهم قالوا: إن المراد بـ «الباغي» الخارج عن الإمام؛ و «العادي» العاصي بسفره؛ وقالوا: إن العاصي بسفره؛ أو الباغي على الإمام لا يترخص بأي رخصة من رخص السفر: فلا يقصر الصلاة، ولا يمسح الخف ثلاثة أيام، ولا يأكل الميتة، ولا يفطر في رمضان؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم تفصيله في كتب الفقه -
تنبيه: