وقوله تعالى: {شيئاً} نكرة في سياق النفي؛ والنكرة في سياق النفي للعموم؛ فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئاً حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا
يحسنون التصرف: فهم يبيعون، ويشترون، ويتحرون الأفضل، والأحسن لهم؟ فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق بأمور الآخرة؛ أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ أي لا يعقلون شيئاً من أمور دينهم لأن المقام هنا مقام منهاج، وعمل، وليس مقام دنيا، وبيع، وشراء؛ فيكون المراد بقوله تعالى: {شيئاً} شيئاً من أمور الآخرة؛ وكلا الاحتمالين يرجع إلى معنى واحد -
قوله تعالى: {ولا يهتدون} أي لا يعملون عمل العالم المهتدي؛ وبهذا انتفى عنهم الرشد في العمل؛ والعلم في طريق العمل وهؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون لا يستحقون أن يتبعوا؛ ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله تعالى (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) ؛ وأقرب شبه لهؤلاء الآية التي بعدها -
الفوائد:
1 -من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى؛ لقوله تعالى: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ؛ مع أن آباءهم لا عقل عندهم، ولا هدى -
2 ــــ ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له: «اتبع ما أنزل الله» أن يقول: «سمعنا، وأطعنا» -
3 ــــ ومنها: أنه لا يجب الانقياد إلا لما أنزل الله ــــ وهو الكتاب، والحكمة ــــ -
4 ــــ ومنها: بيان عناد هؤلاء المستكبرين الذين إذا قيل لهم: {اتبعوا ما أنزل الله} قالوا: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} دون أن يقيموا برهاناً على صحته -
5 ــــ ومنها: أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: {لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} -
القرآن
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (البقرة: 171)
التفسير:
{171} قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} يعني كمثل الراعي الذي ينادي -