1 -قبل ثلاث عشرة آية من آيات الكتمان هنا جاءت آيتان في الموضوع نفسه؛ هناك تذكر الآيتان أن في هذا الكتاب معجزات وهدى، ومن كتم هذه المعجزات والهدى استحق اللعنة، إلا إذا تاب وأصلح وبين. أما هذه الآيات فإنها تذكر أن من كتم الكتاب واشترى به ثمنا قليلا فجزاؤه النار، والبعد والإبعاد والذم. ومن عقوبتهم الدنيوية الشقاق والاختلاف، فالآيات هنا فيها زيادات وتوكيد وتلك من حكمة التكرار، ويمكن أن نفهم من خلال أسلوب القرآن أن ما بين آيتي الكتمان هناك وآيات الكتمان هنا معان يمكن أن يقع فيها الكتمان. ومجمل هذه المعاني التي وقعت بين النصين: الكفر والتوحيد، والعلم الكوني الذي يخدم العقيدة، وقضايا الشرك، والاتباع على باطل وبباطل، وموضوع الحلال والحرام. وتتبع الآن مواضع الفتنة في الفتوى والتأليف. فإنك تجد أن هذه أمهاتها خذ مثلا قضية الاتباع على الباطل. كم من العلماء يجرؤ أن يضع النقاط على الحروف
فيها؟ وما أضر بقلب الإنسان المعاصر شيء كالتأليف المجرد عن الإيمان في العلوم الكونية .. !! (وقد ذهب بعض المفسرين أن آيات الكتمان الأولى فيها خطاب لأمتنا، وأن هذه الآيات خطاب لبني إسرائيل أخذا من أن الخطاب في أول آية البر متوجه لبني إسرائيل، والخطاب عام في كلتا الآيتين. ويدخل فيه الجميع. ولعل الكاتمين من هذه الأمة أكثر إثما، لأن حجة قرآننا علينا، وعلى الناس أظهر.) وقد جاءت آية الكتمان في هذا المقطع بعد الفقرة الأولى التي تحدثت عن أكل الحلال، وعدم اتباع خطوات الشيطان، ووجوب اتباع ما أنزل الله؛ والتحذير عن متابعة الآباء؛ فضلا عن غيرهم، ثم تبيان حقيقة الكفر، والأمر بأكل الطيبات والشكر، وبيان المحرمات؛ وهذه كلها يجتمع فيها شيئان: أن لها تفصيلات دقيقة. وأنه يقع فيها تهيب. ومهمة العلماء أن يفصلوا، وألا يتهيبوا بأن يبينوا.
وعلماء بني إسرائيل هم الشهود الكاتمون. فناسب أن يذكر هنا خطر الكتمان، خاصة والسياق قارب أن يغلق الحوار معهم في هذه السورة فاستوعبت آيات الكتمان الحديث عن كتمان أهل الكتاب، وكتمان أهل القرآن. وبعد آيات الكتمان جاءت آية البر.