المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحجين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم العالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإِنسان وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله،
وإعمال العقل في جمل خلقه، ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبّر الحكيم.
اللغَة: {وإلهكم} الإِله: المعبود بحقٍ أو باطل والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين {الفلك} ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع {وَبَثَّ} فرَّق ونشر ومنه {كالفراش المبثوث} [القارعة: 4] {دَآبَّةٍ} الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من إِنسانٍ ويحوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويداً وقد خصّه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى {والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} [النور: 45] فجمع بين الزواحف والإِنسان والحيوان {وَتَصْرِيفِ الرياح} الريّاح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفُها تقليبها في الجهات ونقلها من حال إِلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً {المسخر} من التسخير وهو التذليل والتيسير {أَندَاداً} جمع نِدّ وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام {الأسباب} جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من روابط كالنسب والصداقة {كَرَّةً} الكرَّة: الرَّجعة والعودة إِلى الحالة التي كان فيها {حَسَرَاتٍ} جمع حسْرة وهي أشد الندم على شيء فائت وفي التنزيل {أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله} [الزمر: 56] .