تَمَثَّلَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالُ أُولَئِكَ الْجَاحِدِينَ الْمُعَانِدِينَ - الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَاتَّخَذُوا إِلَهَهُمُ الْهَوَى، وَوَاثَبُوا الْحَقَّ يُقَارِعُهُمْ وَيُقَارِعُونَهُ، وَنَاصَبُوا الدَّلِيلَ يُنَازِعُهُمْ وَيُنَازِعُونَهُ - بِحَالِ الَّذِي يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ، وَيُكْرِهُ نَفْسَهُ عَلَى الِاصْطِبَارِ، كَمَا يَتَمَثَّلُ ذَلِكَ الثَّمَنُ الْقَلِيلُ الَّذِي بَاعُوا بِهِ الْحَقَّ نَارًا يَزْدَرِدُونَهَا، إِذْ كَانَ آلَامًا يَتَحَمَّلُونَهَا ; فَمُكَابَرَةُ الْبُرْهَانِ أَشَدُّ الْعَذَابِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَمُحَارَبَةُ الْقَلْبِ (الضَّمِيرِ وَالْوِجْدَانِ) أَوْجَعُ الْآلَامِ عِنْدَ الْفُضَلَاءِ، فَالْعَاقِلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْثَرِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ عَقْلَهُ الْعِلْمَ وَذِهْنَهُ الْفَهْمَ، فَقَدْ قِيلَ (لِدِيُوجِينَ) : لَا تَسْمَعْ، فَسَدَّ أُذُنَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تُبْصِرْ، فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تَذُقْ، فَقَبِلَ. فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْهَمْ. فَقَالَ: لَا أَقْدِرُ. فَلَا غَرْوَ إِذَا مُثِّلَتْ لِلنَّبِيِّ حَالُ أُولَئِكَ الْمُكَابِرِينَ لِلْحَقِّ مِمَّا ذُكِرَ وَأَظْهَرَتْهُ الْبَلَاغَةُ بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ تَارَةً، وَبِصُورَةِ أَكْلِ النَّارِ تَارَةً.