بَيَانُهُ: أَنَّ الضَّرَرَ هُوَ الْأَلَمُ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ يُوَازِيهِ أَوْ يُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ نَقِيضُ النَّفْعِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوصَفْ شُرْبُ الْأَدْوِيَةِ الْكَرِيهَةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ بِالضَّرَرِ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّفْعِ الْمُوَازِي لَهُ أَوْ الْمُرْبِي عَلَيْهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِالشَّيْءِ الْمُلْجَأُ إلَيْهِ ، الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْمُ الْمُكْرَهِ إلَّا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ ، وَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ فِعْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ ، كَالْمُرْتَعِشِ وَالْمَحْمُومِ ، لَا يُسَمَّى مُضْطَرًّا وَلَا مُلْجَأً ، وَأَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُضْطَرُّ ، وَقَدْ يَكُونُ [الْمُضْطَرُّ] الْمُحْتَاجُ ، وَلَكِنَّ الْمُلْجَأَ مُضْطَرٌّ حَقِيقَةً ، وَالْمُحْتَاجُ مُضْطَرٌّ مَجَازًا.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ: إنَّ الْمُضْطَرَّ هُوَ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ غَيْرُهُ فِعْلًا ، وَهَذَا تَنَازُعٌ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ هُوَ اللُّغَةُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَالْمُرَادُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ اُضْطُرَّ} : أَيْ خَافَ التَّلَفَ ، فَسَمَّاهُ مُضْطَرًّا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّنَاوُلِ.