إن الحق يقول:"إنما حرم عليكم الميتة"والآية صريحة فِي أن كل ميتة حرام ، وما دامت ميتة فقد كان فيها حياة وروح ثم خرجت ، لكننا نأكل السمك وهو ميت ، وذلك تخصيص من السنة لعموم القرآن ، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"أحل لكم ميتتان: السمك والجراد ، ودمان ؛ الكبد والطحال"هذا الحديث اخرجه الشافعى واحمد وابن ماجه والدارقطى والحاكم والبيهقى عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا. لماذا هذا الاستثناء فِي التحليل ؟ لأن للعرف فِي تحديد ألفاظ الشارع مدخلاً ، فإذا حلفت ألا تأكل لحماً وأكلت سمكا فهل تحنث ؟. لا تحنث ، ويمينك صادقة ؛ رغم أن الله وصف السمك بأنه لحم طري ، إلا أن العرف ساعة يطلق اللحم لم يدخل فيه السمك. إذن ، فالعرف له اعتبار ، لذلك فالزمخشري صاحب الكشاف يقول فِي هذه المسألة:"لو حلفت ألا تأكل اللحم وأكلت السمك فإجماع العلماء على أنك لم تحنث فِي يمينك".
وضرب مثلا آخر فقال: لو حلفت بأن تركب دابة ، والكافر قد أسماه الله دابة فقال:"إن شر الدواب عند الله الذين كفروا"فهل يجوز ركوب الكافر ؟. لا يجوز فكان مقتضى الآية أنه يصح لك أن تركبه وعلق على ذلك قائلا: صحيح أن الدابة هي كل ما يدب على الأرض ، إلا أن العرف خصها بذوات الأربع. لهذا كان للعرف مدخل فِي مسائل التحليل والتحريم. فإذا قال قائل: إن الله حرم الميتة ، والسمك والجراد ميتة فلماذا نأكلها ؟. نرد عليه: إن العرف جرى على أن السمك والجراد ليسا لحماً ، بدليل قولهم:"إذا كثر الجراد أرخص اللحم"، وذلك يعني أن الجراد ليس من اللحم.