قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْمَعْنَى وَمَثَلُك يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ النَّاعِقِ وَالْمَنْعُوقِ بِهِ؛ وَعَلَى قَوْلِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَدَاعِيهمْ كَمَثَلِ الْغَنَمِ وَالنَّاعِقِ بِهَا.
وَلَك أَنْ تَجْعَلَ هَذَا مِنْ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ، وَأَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمُفَرَّقِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ الْمُرَكَّبِ كَانَ تَشْبِيهًا لِلْكُفَّارِ فِي عَدَمِ فِقْهِهِمْ وَانْتِفَاعِهِمْ بِالْغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِهَا الرَّاعِي فَلَا تَفْقَهُ مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ الْمُجَرَّدِ هُوَ الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمُفَرَّقِ فَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، وَدُعَاءُ دَاعِيهمْ إلَى الطَّرِيقِ وَالْهُدَى بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَنْعِقُ بِهَا، وَدُعَاؤُهُمْ إلَى الْهُدَى بِمَنْزِلَةِ النَّعْقِ، وَإِدْرَاكُهُمْ مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ كَإِدْرَاكِ الْبَهَائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النَّاعِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قوله تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} وقال تعالى في الكفار: {صُم بُكْم عُمْى فَهُمْ لا يرْجَعُونَ}
فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفراً وأخبث قلباً وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.
وفيه معنى آخر أيضاً وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم، ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضاً.