هذه الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها. فما قبلها وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وهذا دليل وحدانيته ورحمته. وما بعدها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وهذه الآية دليل على أنه وحده الحري بالمحبة، إذ هو المنعم الوحيد. وإذ كانت هذه آياته فهو حري ألا يكفر، وألا يكتم هداه، وأن يطاع أمره في كل شيء، وأن يسلم له في قضائه وقدره، وأن يستعان به. فهذه الآية هنا بعد ما سبق من توجيهات، تفيدنا زيادة يقين وتمسك وطاعة والتزام. والآية كما أنها تقرير، فهي أمر بالتفكر في هذا الكون. فهي واحدة من توجيهات هذا المقطع: استعينوا ... اسعوا ... لا تكتموا ... لا تكفروا ...
تفكروا ... ثم في المجموعة القادمة: أحبوا الله. وقد ذكر النسفي بمناسبة هذه الآية حديثا هو: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها» أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. في كتابنا «الله جل جلاله» تحدثنا عن تسع ظواهر في هذه الكون. كل منها يدل على الله
بما لا يقبل جدلا: ظاهرة حدوث الكون، وظاهرة الإرادة فيه، وظاهرة الحكمة، وظاهرة الهداية، وظاهرة الإبداع، وظاهرة الاستجابة، وظاهرة العناية، وظاهرة الوحدة. وفي هذه الآية حديث عن مجموع هذه الظواهر تقريبا:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ظاهرة الحدوث. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ظاهرة الإرادة والحكمة والهداية والعناية. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ظاهرة الحياة والإبداع وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ظاهرة حكمة وعناية وهداية وإرادة لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يدرك هذه الآيات أصحاب العقول، أما الذين يعطلون قوانين العقل كبرا أو عنادا فهؤلاء لا يدركون هذه الآيات. ولعل كتابنا «الله جل جلاله» فيه تفصيل لهذه المعاني كلها فليراجع.