وَأَمَّا قُوَّةُ الْخَالِقِ وَقُدْرَتُهُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ ، وَالصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ ، وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ ، وَالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ فِي تَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ ، وَالسُّلْطَانِ الْمُطَاعِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ، فَذَلِكَ مِمَّا يَجْعَلُ حُبَّهُ تَعَالَى أَعْلَى مِنْ كُلِّ مَا يُحَبُّ لِلرَّجَاءِ فِيهِ وَانْتِظَارِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحُبُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى ; إِذْ لَا يُلْجَأُ إِلَى غَيْرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ .
وَلَكِنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ قَدْ أَشْرَكُوا أَنْدَادَهُمْ مَعَهُ فِي هَذَا الْحُبِّ ، فَحُبُّهُمْ إِيَّاهُمْ مِنْ نَوْعِ حُبِّهِمْ إِيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، لَا يَخُصُّونَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُبِّ ; إِذْ لَا يَرْجُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلُوا لِأَنْدَادِهِمْ مِثْلَهُ أَوْ ضَرْبًا مِنَ التَّوَسُّطِ الْغَيْبِيِّ فِيهِ ، فَهُمْ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ بِهَذَا الْحُبِّ الَّذِي لَا يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ مُوَحَّدٍ . وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ شِرْكِهِمْ هَذَا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ; لِأَنَّ حُبَّهُمْ لَهُ خَاصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ لَا يُشْرِكُونَ فِيهِ غَيْرَهُ ، فَحُبُّهُمْ ثَابِتٌ
كَامِلٌ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ هُوَ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُسْتَمَدُّ مِنْهُ كُلُّ كَمَالٍ ، وَأَمَّا مُتَّخِذُو الْأَنْدَادِ فَإِنَّ حُبَّهُمْ مُتَوَزِّعٌ مُتَزَعْزِعٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ وَلَا اسْتِقْرَارَ .