(إن في خلق السماوات والأرض) لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله (وإلهكم إله واحد) عقب ذلك بالدليل الدال عليه وهو هذه الأمور الثمانية التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم، مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أخذ من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها أو يقتدر عليه أو على بعضه، وهي خلق السماوات، وتعاقب الليل والنهار، وجري الفلك في البحر، وإنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض به، وبث الدواب فيها بسببه، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب، فإن من أمعن نظره وأعمل فكره في واحد منها انبهر له وضاق ذهنه عن تصور حقيقته، وتحتم عليه التصديق بأن صانعه هو الله سبحانه، وإنما جمع السماوات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخر، ووحد الأرض لأنها كلها من جنس واحد وهو التراب، والآية في السماء سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة ما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها على الماء وما يرى فيها من الجبال والبحار، والمعادن والجواهر، والأنهار والأشجار والثمار والنبات.
(واختلاف الليل والنهار) تعاقبهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر، وإضاءة أحدهما وإظلام الآخر، وقيل في الطول والقصر والزيادة والنقصان قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه ثالث هو أنهما كما يختلفان في الأزمنة فهما يختلفان في الأمكنة فإن من يقول إن الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي آخر عصر، وفي آخر مغرب. وفي آخر عشاء. وهلم جرّاً. هذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول. أما البلاد المختلفة في العرض فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية أطول وأيامه الشتوية بالضد من ذلك، فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد وعروضها أمر عجيب قاله الكرخي.