وَقَدْ يَزْعُمُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعَادُونَ عِلْمَ الْكَوْنِ بِاسْمِ الدِّينِ أَنَّ النَّظَرَ فِي ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَافٍ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا وَمَعْرِفَةِ آيَاتِ صَانِعِهَا وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ يَكْتَفِي مِنَ الْكِتَابِ بِرُؤْيَةِ جِلْدِهِ الظَّاهِرِ وَشَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ مَا أُودِعَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ. نَعَمْ ; إِنَّ هَذَا الْكَوْنَ هُوَ كِتَابُ الْإِبْدَاعِ الْإِلَهِيِّ الْمُفْصِحُ عَنْ وُجُودِ اللهِ وَكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَإِلَى هَذَا الْكِتَابِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (18: 109) وَبِقَوْلِهِ: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٍ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) (31: 27) فَكَلِمَاتُ اللهِ فِي التَّكْوِينِ بِاعْتِبَارِ آثَارِهَا وَمِصْدَاقِهَا هِيَ آحَادُ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُبْدَعَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَنْطِقُ بِلِسَانٍ أَفْصَحَ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ، لَكِنْ لَا يَفْهَمُهُ الَّذِينَ هُمْ عَنِ السَّمْعِ مَعْزُولُونَ وَلِلْعِلْمِ مُعَادُونَ، الْوَاهِمُونَ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تُقْتَبَسُ مِنَ الْجَدَلِيَّاتِ النَّظَرِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ دُونَ الدَّلَائِلِ الْوُجُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ زَعْمُهُمْ حَقِيقَةً لَا وَهْمًا لَكَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ اسْتَدَلَّ فِي كِتَابِهِ بِالْأَدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ، وَذَكَرَ الدَّوَرَ وَالتَّسَلْسُلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ