فِي الْعَوَالِمِ الْحَيَّةِ أَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا النَّبَاتَ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ مَصْدَرُ حَيَاتِهِ، ثُمَّ هُوَ مُخْتَلِفٌ فِي أَلْوَانِهِ وَطُعُومِهِ وَرَوَائِحِهِ، فَتَجِدُ فِي الْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ نَبْتَةَ الْحَنْظَلِ مَعَ نَبْتَةِ الْبِطِّيخِ مُتَشَابِهَتَيْنِ فِي الصُّورَةِ مُتَضَادَّتَيْنِ فِي الطَّعْمِ، وَتَجِدُ النَّخْلَةَ وَتَمْرَهَا مَا تَذُوقُ حَلَاوَةً وَلَذَّةً، وَتَجِدُ فِي جَانِبِهَا شَجَرَةَ اللَّيْمُونِ الْحَامِضِ وَالنَّارِنْجِ وَثَمَرَهَا مَا تَعْرِفُ حُمُوضَةً وَمُلُوحَةً، وَتَجِدُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمَا شَجَرَةَ الْوَرْدِ لَهَا مِنَ الرَّائِحَةِ مَا لَيْسَ لِلنَّخْلَةِ وَمَا يُخَالِفُ فِي أَرِيجِهِ زَهْرَ النَّارِنْجِ، بَلْ يُوجَدُ فِي الشَّجَرِ مَا لَهُ زَهْرٌ ذَكِيُّ الرَّائِحَةِ ; فَإِذَا قَطَعْتَ الْغُصْنَ الَّذِي فِيهِ هَذَا الزَّهْرَ تَنْبَعِثُ مِنْهُ رَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ ; فَتِلْكَ السُّنَنُ - الَّتِي يَتَكَوَّنُ بِهَا الْمَطَرُ وَيَنْزِلُ - جَارِيَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ دَقِيقٍ، وَكَذَلِكَ طُرُقُ تَغَذِّي النَّبَاتِ بِالْمَاءِ هِيَ جَارِيَةٌ بِنِظَامٍ وَاحِدٍ، فَوَحْدَةُ النِّظَامِ وَعَدَمُ الْخَلَلِ فِيهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْدَرَهُ وَاحِدٌ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا لِلْخَلْقِ فِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَرَافِقِ يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّامِلَةِ، وَقُلْ مِثْلَ هَذَا فِيمَا بَثَّ اللهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، فَإِنَّهَا آيَاتٌ عَلَى الْوَحْدَةِ وَدَلَائِلُ وُجُودِيَّةٌ عَلَى عُمُومِ الرَّحْمَةِ.