نَطَقَتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ بِأَنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مَلْعُونُونَ لَا تُرْجَى لَهُمْ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا، فَإِنْ هُمْ مَاتُوا - عَلَى كِتْمَانِهِمْ وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ كُفْرُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ - كَانُوا خَالِدِينَ فِي اللَّعْنَةِ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا شَيْءٌ ; إِذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ افْتِدَاءٌ، وَلَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشُّفَعَاءِ (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (40: 18) لِأَنَّ اللَّعْنَةَ تَعُمُّهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِلْعَوَالِمِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرَّحْمَةَ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْءُوسِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ فِي الضَّلَالِ وَيَتَّخِذُونَ كَلَامَهُمْ دِينًا مِنْ دُونِ كِتَابِ اللهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَنَاسَبَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ شَارِعَ الدِّينِ وَمُحِقَّ الْحَقِّ هُوَ وَاحِدٌ لَا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، وَلَا تُكْتَمُ هِدَايَتُهُ، وَلَا يُجْعَلُ كَلَامُ الْبَشَرِ مِعْيَارًا عَلَى كَلَامِهِ، وَهُوَ مُفِيضُ