إليه، أَلَا [تَرَى] أنه لم يذكر الشمس والقمر والكواكب وغيرها من العجائب في ذكر السَّمَاوَات.
ولم يذكر أَيْضًا غرائب الْأَرْض، فهل يحسن أن يقال والقصد بها الاستدلال بها وما فيهما من
العجائب ولو لم يتعرض له، وقد قيل إن ترك ذكر البحر لدلالة الْأَرْض عليه وإن أمكن
المناقشة فيه فالمقصود هنا الاستدلال بجري السفن بما ينفع النَّاس ولا يضر عدم
الاستيعاب كَيْفَ لا وقد اكتفى في أواخر سورة [آل] عمران ببعض ما ذكر هنا.
قوله:(ولذلك قدمه عَلَى ذكر المطر والسحاب؛ لأن منشأهما البحر في غالب الأمر.
وتأنيث الفلك لأنه بمعنى السفينة)لأن منشأهما البحر، وهذا أحد الأقوال وهذا لأن الأبخرة إذا
صعدت وتكاثفت ينعقد سحابًا وينزل مطرًا. قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وأنزل من السماء
ماء)الآية. فإن المطر يبتدئ منَ السَّمَاء إلَى السحاب ومنه إلَى الْأَرْض أو من
أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الْأَرْض إلَى جو الهواء فينعقد سحابًا ماطرًا
انتهى. فلا إشكال بأن المطر ينزل منَ السَّمَاء فَكَيْفَ يقال إن منشأهما البحر لأن الْمُرَاد بالسماء
السحاب كما سيجيء، وعلى تقدير كون الْمُرَاد بها الفلك فالْمُرَاد بنزول المطر من الفلك لكون
نزوله بأسباب سماوية أو مراده أن منشأ المطر النازل من السحاب. أشار إليه في غالب الأمر
لئلا يخالف ما ورد في الأحاديث من"أن السحاب من شجرة مثمرة في الجنة، والمطر من بحر"
تحت العرش". فإن الأحاديث عَلَى تقدير حملها عَلَى الظَّاهر لا يدل عَلَى انحصار سببهما في"
ذلك. وقيل السماء الدُّنْيَا موج مكفوف، ونزول المطر منها إلَى السحاب ومنه إلَى الْأَرْض.
وتأنيث الفلك حيث وصفت بالتي تجري؛ لأنه بمعنى السفينة فروعي جانب الْمَعْنَى فجعلت
مؤنثة، وروعي جانب اللَّفْظ فجعل الضَّمير الراجع إليه مذكرًا في (بما ينفع) عَلَى احتمال.
قوله: (وَقُرئَ بضمتين عَلَى الأصل) يعني أنه ليس مغيرًا من السكون كما قَالُوا في
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لأن منشأهما البحر في غالب الأمر وإنما قال في غالب الأمر لأن المطر والسحاب قد
يحصلان من انقلاب الهواء ماء حيث يتكون أجزاء الهواء الصغار الهبائية بسبب من الْأَسْباب أجزاء
رشية مائية فتجتمع تلك الأجزاء الرشية المائية فيحصل من اجتماعها سحاب ثم يتصل بعض تلك
الأجزاء الرشية المائية لبعض فيثقل ويكون نقله سببًا لنزوله إلَى جهة الْأَرْض لعدم اسْتمْرَاره في
الجو لثقله فيمطر، وأما سبب تكون السحاب من البحر وهو الأغلب أن البخارات أجزاء صغار مائية
تنفصل بسَبَب سخونة ما من سطوح البحار ومياه الينابيع والأنهار والحياض والأراضي الرطبة
فتجتمع في الجو منفصلًا بعضها عن بعض وتتطاير في الهواء يمر وينصرف إلَى جهة من الجهات
بتصريف الرياح فقد تتصل تلك الأجزاء المائية البخارية بعضها بعض فتصير قطرة ثم تنزل إلَى
الْأَرْض عَلَى نحو ما ذكر آنفًا. والعلم عند الله.
قوله: عَلَى الأصل أو الجمع مراده بالأصل هنا الواحد المقابل للجمع لا أصل اللغة؛ لأن
أصل اللغة الفلك بسكون اللام وهما لغتان فعلى القراءة بضمتين الواحد والجمع سواء ويعرف ذلك
بجمع ضمير فعلها وإفراده وما في الآية يحتمل الإفراد والجمع عند القراءة بضمتين. أما تأنيث صفته
عند حمله عَلَى الإقرار فبتأويل السفينة، وأما عند حمله عَلَى الجمع فظَاهر.