وكذلك خالق الإنسان خالق الجبال والعيون والأنهار والبحار؛ لأنه لولا
الجال لمادت الأرض بمن عليها ميد السفينة بأهلها، فلم يكن لذلك الاستقرار
عليها، ولولا الأنهار والعيون والينابيع لمات الحيوان عطشًا، ولولا البحار لما كان
للأنهار موضعًا تنصب إليه وتجتمع فيه، ولو كان ذلك كذلك لغرقت الأرض بمن
عليها وفسدت، وفسد جميع من فيها.
لو ارتدعت الأنهار لأجل أسداد تلقاها فيمنعها عن الجري إى مغيضها، لولا
ذلك لغرق لذلك مفروش الأرض، ولأضرَّ بمناكبها، ولولا أن خالق البحر يمسكه
ويردعه عن الأرض لفاض عليها ولأغرق جميع ما فيها، ولم يكن يحبس الإنسان
عليه طريق بسفينة، ولا فلك تجري فيه، لولا أن خالق الكل - جلَّ جلالُه - يكيفه ويمسكه،
ويسخره لتجري الفلك فيه بأمره، وليبتغوا من فضله فيشكروا نعمه، ويتذكروا أياديه
وكذلك خالق الإنسان والأرض وما فيها هو خالق السماء والأفلاك والشمس
والقمر والنجوم والسحاب والرياح والأزمنة والدنيا والآخرة؛ لأن الأرض ومن فيها
لا تقوم إلا بالسماء وما أتصل بها من جميع ما ذكرناه، وكثير مما لم نذكره اكتفاء
بما ذكرناه، فلو كان خالق السماء غير خالق الأرض وما فيها، والأرض وما فيها لا
تقوم إلا بالسماء وما اتصلت بها لم يخلق خالق الأرض ومن فيها، وما اتصل بها
من حيوان ونبات محتاجًا لذلك كله إلى السماء، وهي في ملك غيره بمنعه منها
ويستبد بها دونه، فكانت الأرض تهلك ومن فيها، وكل شيء مما تقدم ذكره يهلك
على سبيله، لأنه جل وعلا قد أفقر الموجودات علوها وسفلها بعضها إلى بعض،
وأحوج بعضها إلى بعض، وهو الغني الحميد.
فوضح بهذا زائد إلى ما تقدم من البرهان الواضح أن خالق الأرض وما فيها
من نشء ونات وحيوان، وما اتصل بذلك كله من شمس وقمر ونجوم وسحاب
ورياح وأزمنة وفتح رحمة وغير ذلك ما غاب وبطن، وما تقدم وجوده أو تأخر وما
كان دليلاً على شيء أو مدلولاً عليه فيما علا من ذلك كله وسفل مما دق أو جل،
كل معتبر على ما تقدم من الاعتبار، مالك ذلك كله ومدبره وماسكه، الحق الذي