بطاعة الله، وكما ينبت بالماء هَاهُنَا منه ما يكون ابتداء خلقًا وإنباتا بدئيًا.
ومنها ما يكون غراس واكتساب وتعمل، فكذلك في الجنة منه ما يكون
مخلوقًا مبتدئًا فأيضًا الجنة، ومنه ما هو مخلوق عن اكتساب العباد بالطاعة لله - جلَّ جلالُه -
والتسبيح والتحميد والذكر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من قال: سبحان الله غرست له نخلة في الجنة، ومن قال:"
الحمد لله فكذلك، ومن قال: الله أكبر فكذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فكذلك،
وقال، من صلى اثني عشر ركعة في اليوم والليلة من غير الفريضة بنى الله له قصرًا
في الجنة، ومن بنى لله بيتا - أو قال:"مسجدًا"- بنى الله مثله في الجنة"."
ومصداق ذلك من القرآن العزيز قوله - جلَّ جلالُه - (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24) .
وقوله - عز وجل -: (نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
وكما أن الذي في الدنيا من ذلك على الأغلب العباد الغراس والسقي والعمارة
والتعاهد هو أفضل لاجتماع ابتداء الخلقة فيه والاكتساب، فكذلك موجودات الجنة
التي يكون منها جزاء لأعمال العباد أرفع في الدرجات، وأفضل وجودًا لاجتماع
الخلقتين فيه جزاءً موعودًا به، وهي أيضًا بما لها من باطن كالزيتون يستصبح به فيكون
منه نور يستضاء به، كذلك المستخرج من العلم من الوحي، وما جاءت به النبوة له نور
في باطن العالم به هو أثقب من نور السراج، وأفضل عائدة في أكرم هداية.
وكذلك أيضًا للنمو والزرع والأعناب باطن مستجن فيها، كما قال الله - عز وجل -
وقوله الحق: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)
فالواجب أن كل ظاهر من الموجودات له باطن مستجن فيه، يظهره الله
جلَّ ذكره إذا شاء كالحياة في الموت، والموت في الحياة، والليل في النهار، والنهار
في الليل، وهي آية بما هي.
وجميع ما ينشئه الله جلَّ ذكره من الماء، وما خلقه من دابة السماوات والأرض