وقدر الله أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للحق وأهله، ومن الضلال والفساد في الأرض، وقد شاء الله ذلك كله لحكم يعلمها سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) } [الأنعام: 112، 113] .
وهؤلاء الأعداء من شياطين الإنس والجن لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وأتباعهم وإيذائهم بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم وأهل السموات والأرض في قبضة الله وتحت قهره.
لكنه سبحانه يبتلي بهؤلاء عباده المؤمنين لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأنبياء وأتباعهم، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اجتازوا الامتحان بقوة، كف الله عنهم الابتلاء، وكف عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم.
وكل هذا الكيد محاط بمشيئة الله وقدره، وما يضر هؤلاء أحداً من أولياء الله بشيء إلا بما أراد الله في حدود الابتلاء: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) } [الفتح: 24] .
ألا ما أخطر الكفر والشرك والتعطيل والإلحاد.
ولما كان أحب الأشياء إلى الله عزَّ وجلَّ حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به، وهو شر من الشرك، فالمعطل أشر من المشرك.
فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه، والتشريك بينه وبين غيره في الملك.