أَخْبَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، وَأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبِرِ وَبَشَّرَهُمْ، فَقَالَ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ فَعَلَ هَكَذَا بِأَنْبِيَائِهِ وَصَفْوَتِهِ لِتَطَيبَ أَنْفُسُهُمْ، فَقَالَ: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ"وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ الِاخْتِبَارُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ."
وَقَوْلُهُ: {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ}
يَعْنِي مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ وَبِالْجُوعِ، وَهُوَ الْقَحْطِ. يَقُولُ: لَنَخْتَبِرَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ خَوْفٍ يَنَالُكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَبِسَنَةٍ تُصِيبُكُمْ يَنَالُكُمْ فِيهَا مَجَاعَةٌ وَشِدَّةٌ وَتُعْذَرُ الْمَطَالِبُ عَلَيْكُمْ فَتَنْقُصُ لِذَلِكَ أَمْوَالُكُمْ، وَحُرُوبٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، فَيَنْقُصُ لَهَا عَدَدُكُمْ، وَمَوْتُ ذَرَارِيِّكُمْ، وَأَوْلَادِكُمْ، وَجُدُوبٌ تَحْدُثُ، فَتَنْقُصُ لَهَا ثِمَارُكُمْ. كُلُّ ذَلِكَ امْتِحَانٌ مِنِّي لَكُمْ وَاخْتِبَارٌ مِنِّي لَكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ صَادِقُوكُمْ فِي إِيمَانِهِمْ مِنْ كَاذِبِيكُمْ فِيهِ، وَيُعْرَفُ أَهْلُ الْبَصَائِرِ فِي دِينِهِمْ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ فِيهِ وَالشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ.
كُلُّ ذَلِكَ خِطَابٌ مِنْهُ لِأَتْبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} وَلَمْ يَقُلْ «بِأَشْيَاءَ» لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ مَا أَعْلَمَ عِبَادَهُ أَنَّهُ مُمْتَحِنُهُمْ بِهِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا وَكَانَتْ «مِنْ» تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا مُضْمَرٌ فِي شَيْءٍ وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَبِشَيْءٍ مِنَ الْجُوعِ وَبِشَيْءٍ مِنْ نَقْصِ الْأَمْوَالِ. اكْتَفَى بِدَلَالَةِ ذِكْرِ الشَّيْءِ فِي أَوَّلِهِ مِنْ إِعَادَتِهِ مَعَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا. فَفَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ ذَلِكَ بِهِمْ وَامْتَحَنَهُمْ بِضُرُوبِ الْمِحَنِ.