قَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَرَبَ، قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: الْزَمُوا أَيُّهَا الْعَرَبُ طَاعَتِي، وَتَوَجَّهُوا إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، لِتَنْقَطِعَ حُجَّةُ الْيَهُودِ عَنْكُمْ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَتَهْتَدُوا، كَمَا ابْتَدَأْتُكُمْ بِنِعْمَتِي فَأَرْسَلْتُ فِيكُمْ رَسُولًا إِلَيْكُمْ مِنْكُمْ، وَذَلِكَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} فَإِنَّهُ يَعْنِي آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَبِقَوْلِهِ: {وَيُزَكِّيكُمْ} وَيُطَهِّرُكُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ، {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} وَهُوَ - الْفُرْقَانُ، يَعْنِي أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَهُ، وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ: السُّنَنَ وَالْفِقْهَ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَيُعَلِّمُكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَصَصِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْخَبَرُ عَمَّا هُوَ حَادِثٌ وَكَائِنٌ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْلَمُهَا فَعَلِمُوهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يُدْرِكُونَهُ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: فَاذْكُرُونِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّايَ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَفِيمَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي إِيَّاكُمْ وَمَغْفِرَتِي لَكُمْ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: اشْكُرُوا لِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ لِلَّذِينَ الَّذِي شَرَعْتُهُ لِأَنْبِيَائِي وَأَصْفِيَائِي {وَلَا تَكْفُرُونِ}