(موعظة)
إخواني! تأهبوا ليومٍ تترادف فيه العَبَرات، وتعظم. الحَسَرات، فَيعضُ الظالم على يديه ويقول: يا حسرتا يوم يقول لك أين من أرضيتَ عنك بغضبي عليك، ابن آدم أين من كنتَ تَزَيَّنْتَ له وبالقبيح بارزتني، ما هذا التذلل بين يديّ وقد كنت جبّاراً عنيداَ، طالما ذُكرْتَ بموقفكَ هذا فتناسيتَ، وطالما بُصِّرْتَ بأمركَ هذا فتعاميتَ، ولم تزدد إلاّ فراراَ، يا حسرةَ العاصين، يا ذُلّ مقام المتجبرين، وا خيبة المضطرين، وا خسارة المُسرِفينْ.
أهلَ الغرام تجمَعُوا ... اليوم يومُ عتابنا
نَعَقَ الغرابُ بِبَيْننا ... فَغُرابُنا أغرى بنا
إنّ الذين نُحبُّهم ... قد وُكِّلوا بعذابنا
قوموا بنا بحياتكم ... نمشيَ إلى أحبابنا
قومٌ إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا
إخواني! لو رأيتموهم في الدجى بين الخوف والرجاء، تائبهم يقول: اعفُ عنّي وأقلني عثرتي، ومتعبِّدهم يتململ:
تُريدينَ إدراكَ المعالي رَخِيصةً ... ولا بُدَّ دونَ الشَهْدِ من إبرِ النَّحْلِ
الفصل الثالث عشر: عليك بحب الله
إخواني: الموت في طريق الطلب: خير من العطب في طريق البطالة، ما هذا؟! أدم السهر والصوم، وخل لأربابه طول النوم، وشمر في لحاق القوم، فإذا وصلت إلى دوائك: أنخت بجناب {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} ، وإن مت بدائك: فمقابر الشهداء {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} .
يا هذا: عليك بإدمان الذكر، لعل ذكرك القليل ينمي ذكره الجليل {ولذكر الله أكبر} ، أنا جليس من ذكرني.
لا تعجز عن حفر ساقية وإن ربت، فإنك إذ ألحقتها بساحل البحر فاض من ماء البحر إليها فصارت دجلة، أخلص في ذكرك لعله يذكرك.
روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: حمدان، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيروا سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» .
روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» .
وقال أبو الدرداء: الذين ألسنتهم رطبة بذكر الله تعالى يدخل أحدهم الجنة وهو
يضحك.
يا هذا: من علامات المحب انزعاجه عند ذكر محبوبه.
لو أحببت شخصاً من أهل الدنيا فسمعت باسمه لانزعج باطنك، أما سمعت أن مجنوناً أحب مخلوقاً فلما ذكر انزعج، فقال:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد ولم يدر
دعا باسم ليلي غيرها فكأنما ... أطار بقلبي طائراً كان في صدري