وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئاً فِي أمر دينهم ، الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين.
وهنا يوجه الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب:
{الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} ..
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما امترى يوماً ولا شك. وحينما قال له ربه فِي آية أخرى: {فإن كنت فِي شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذي يقرأون الكتاب من قبلك} . قال:"لا أشك ولا أسأل".
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه - صلى الله عليه وسلم - يحمل إيحاء قوياً إلى من وراءه من المسلمين. سواء منهم من كان فِي ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود فِي أمر دينهم.
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير ؛ ونحن - فِي بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - فِي أمر ديننا ، ونتلقى عنهم تاريخنا ، ونأمنهم على القول فِي تراثنا ، ونسمع لما يدسونه من شكوك فِي دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا ، وسيرة أوائلنا ؛ ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام ، ويتخرجون فِي جامعاتهم ، ثم يعودون الينا مدخولي العقل والضمير.
إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة المسلمة. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره. وأهل الكتاب هم أهل الكتاب ، والكفار هم الكفار ، والدين هو الدين!
ونعود إلى السياق فنراه يصرف المسلمين عن الاستماع لأهل الكتاب والانشغال بتوجيهاتهم ، ويوحي إليهم بالاستقامة على طريقهم الخاص ووجهتهم الخاصة. فلكل فريق وجهته ، وليستبق المسلمون إلى الخير لا يشغلهم عنه شاغل ، ومصيرهم جميعاً إلى الله القادر على جمعهم وعلى مجازاتهم فِي نهاية المطاف: