ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق فِي التصور ، وأقوم منهج فِي الحياة. فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه. وما كان تعصباً أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر ؛ وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر ؛ وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى. فالذي يدعوك إلى الوحدة فِي الله ، والوحدة فِي الأرفع من التصور ، والوحدة فِي الأفضل من النظام ، ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله ، والتردي فِي مهاوي الجاهلية.. ليس متعصباً أو هو متعصب. ولكن للخير والحق والصلاح!
والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه. إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة فِي الصلاة. فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز. رمز للتميز والاختصاص. تميز التصور ، وتميز الشخصية ، وتميز الهدف ، وتميز الاهتمامات ، وتميز الكيان.
والأمة المسلمة - اليوم - بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعاً ، وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعاً ، وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعاً ، وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعاً.. الأمة المسلمة اليوم فِي حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ؛ والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ؛ والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ؛ والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده ، فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها..
إن هذه العقيدة منهج حياة كامل. وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة ، الشهيدة على الناس ، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله.