ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين فِي خصائصهم ، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم فِي الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد شكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات. كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة. وهذه البواعث هي التي تفرق قوماً عن قوم ، وعقلية عن عقلية ، وتصوراً عن تصور ، وضميراً عن ضمير ، وخلقاً عن خلق ، واتجاهاً فِي الحياة كلها عن اتجاه.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم".
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خرج على جماعة فقاموا له"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها".
وقال صلوات الله وسلامه عليه -:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله".
نهى عن تشبه فِي مظهر أو لباس. ونهى عن تشبه فِي حركة أو سلوك. ونهى عن تشبه فِي قول أو أدب.. لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصوراً عن تصور ، ومنهجاً فِي الحياة عن منهج ، وسمة للجماعة عن سمة.
ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه فِي الأرض. نهى عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين فِي الأرض. فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس فِي النفس لتقلد هذا المجتمع المعين. والجماعة المسلمة قامت لتكون فِي مكان القيادة للبشرية ؛ فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة.. والمسلمون هم الأعلون. وهم الأمة الوسط. وهم خير أمة أخرجت للناس. فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم؟ ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه!