واعلم أن الواجب عند الشافعي فِي أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله تعالى {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ولقوله صلى الله عليه وسلم:"هذه القبلة"مشيراً به إلى العين ، ولأن تعظيم الكعبة من النبي صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغ التواتر . وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة ، فوجب أن يكون مشروعاً . ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط . وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي ، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن فِي استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد ، ولأن فِي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين ، ولأن الشطر الجانب واكتفى به فِي الآية ، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة فِي أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ ، ثم لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين ، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن ، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً ، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد ، وإصابة العين للبعيد غير بعيد ، فما من نقطتين فِي الأرض ولا فِي السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط ، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور . وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها فِي كتبنا