وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس . واختلفوا أيضاً فِي أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً فِي توجهه إليه وإلى غيره . فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] الآية . ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم فِي الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس ، فلما قدموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم ينكر عليهم . وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله {فلنولينك قبلة ترضاها} فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة . ومعنى"فلنولينك"فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم"وليته كذا"جعلته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس . ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته . وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه . وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق . {فول وجهك} أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط . وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص . وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد فِي النصف من جميع الجوانب ، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة ، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول . عن ابن عباس: بينما الناس بقباء فِي صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة .