قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك ، فلا بد من حملها على البعض . فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب فِي {جعلناكم} للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال . فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ . سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط ، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك فِي خيريتهم وعدالتهم . وأجيب بأن حال الشخص فِي نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره ، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟ والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما فِي سائر التكاليف مثل {كتب عليكم الصيام كما} [البقرة: 183] {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية ، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه ، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر . ثم إن الله تعالى منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع ، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق فِي ذلك فلا منة . {وما جعلنا} يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم . {التي} صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي"جعل"أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك"الشافعي على كذا"ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة فِي جعل الكعبة قبلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة ، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها