همو وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وذلك أن العدل متوسط فِي الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط ، ولهذا ذكره الله تعالى فِي معرض المدح والامتنان . وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل فِي الجمادات . قال فِي الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله تعالى فِي موضع آخر {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب ، والأوساط محمية محوطة . وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون فِي الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر فِي شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً ، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب ، ولأن الوسط فِي الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث {لتكونوا شهداء على الناس} الأكثرون على أن هذه الشهادة فِي الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم . روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله فِي كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق . فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى {فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}