أَسْرَارِ الْأَحْكَامِ - غَيْرُ التَّزْكِيَةِ، بَيْدَ أَنَّهُ يَتَّصِلُ بِهَا وَيُعِينُ عَلَيْهَا، حَتَّى يُطَابِقَ الْعِلْمُ الْعَمَلَ، فَهَذِهِ الْآيَةُ نَبَأٌ عَنِ اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) (2: 129) الْآيَةَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ ذِكْرُ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ عَلَى التَّزْكِيَةِ، وَقَدَّمَ هُنَا ذِكْرَ التَّزْكِيَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَاحَظَ فِي دَعْوَتِهِ الطَّرِيقَ الطَّبِيعِيَّ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيمَ يَكُونُ أَوَّلًا ثُمَّ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ ثَمَرَةً لَهُ
وَنَتِيجَةً، وَهَاهُنَا ذَكَرَ التَّرْتِيبَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ وَالْوُقُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا تَلَا عَلَيْهِمْ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَدَلَائِلِ تَوْحِيدِهِ، وَإِلَى الِاعْتِقَادِ بِإِعَادَةِ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ يُحَاسِبُ اللهُ فِيهِ كُلَّ نَفْسٍ وَيَجْزِيهَا بِعَمَلِهَا وَصِفَاتِهَا، فَأَجَابَ النَّاسُ دَعَوْتَهُ بِالتَّدْرِيجِ، وَكُلُّ مَنْ آمَنَ لَهُ كَانَ يَقْتَدِي بِهِ فِي أَخْلَاقِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَلَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ أَحْكَامٌ وَلَا شَرَائِعُ، ثُمَّ شُرِعَتِ الْأَحْكَامُ بِالتَّدْرِيجِ، فَالتَّزْكِيَةُ بِالتَّأَسِّي بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِقَامَةِ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَمُقَدَّمَةً عَلَى تَلَقِّي الشَّرَائِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الْأَحْكَامِ.