وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: مَنِ الَّذِي يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، فَيُنَافِقُ، أَوْ يَكْفُرُ، أَوْ يُخَالِفُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ يُظْهِرُ اتِّبَاعُهُ.
وَأَصْلُ الْمُرْتَدِّ عَلَى عَقِبَيْهِ: هُوَ الْمُنْقَلَبُ عَلَى عَقِبَيْهِ الرَّاجِعُ مُسْتَدْبِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي قَدْ كَانَ قَطَعَهُ مُنْصَرِفًا عَنْهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ رَاجِعٍ عَنْ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ مِنْ دِينٍ أَوْ خَيْرٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِهِ: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} بِمَعْنَى رَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي كَانَا سَلَكَاهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْتَدِّ: مُرْتَدُّ لِرُجُوعِهِ عَنْ دِينِهِ وَمِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا قِيلَ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ لِرُجُوعِهِ دُبُرًا عَلَى عَقِبِهِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَدْءُ سَيْرِهِ قَبْلَ رَجْعِهِ عَنْهُ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ تَارِكٍ أَمْرًا وَآخِذٍ آخِرَ غَيْرَهُ إِذَا انْصَرَفَ عَمَّا كَانَ فِيهِ إِلَى الَّذِي كَانَ لَهُ تَارِكًا فَأَخَذَهُ، فَقِيلَ ارْتَدَّ فُلَانٌ عَلَى عَقِبِهِ، وَانْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْكَبِيرَةِ: التَّوْلِيَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالتَّحْوِيلَ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكَبِيرَةُ لِتَأْنِيثِ التَّوْلِيَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْقِبْلَةُ بِعَيْنِهَا الَّتِي كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ الْكَبِيرَةُ: هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُنِّثَتِ الْكَبِيرَةُ لِتَأْنِيثِ الْقِبْلَةِ، وَإِيَّاهَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً}