وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِينِهِ. فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَتَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أَيْ: وَمَا جَعَلْنَا صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا، وَتَحْوِيلَكَ إِلَى غَيْرِهَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} بِمَعْنَى: وَمَا جَعَلْنَا خَبَرَكَ عَنِ الرُّؤْيَا الَّتِي، أَرَيْنَاكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ بِمَا كَانَ أُرِيَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ، وَكَذَلِكَ الْقِبْلَةُ الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ صُرِفَ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ وَلَا مِحْنَةٌ.
وَقَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ الْأَمْرَ بَعْدَ الْأَمْرِ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيَهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَ فِي إِيمَانٍ بِاللَّهِ، وَإِخْلَاصٍ لَهُ، وَتَسْلِيمٍ لِقَضَائِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَمَا كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِمَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ إِلَّا بَعْدَ اتِّبَاعِ الْمُتَّبِعِ، وَانْقِلَابِ الْمُنْقَلِبِ عَلَى عَقِبَيْهِ، حَتَّى قَالَ: مَا فَعَلْنَا الَّذِي فَعَلْنَا مِنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا لِنَعْلَمَ الْمُتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُنْقَلَبِ عَلَى عَقِبَيْهِ؟
قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا وَلَيْسَ قَوْلُهُ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يُخْبِرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟