{لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] . وقد أمر الله رسوله الكريم بالتوجه إليه فِي الصلاة ، بعد أن توجه إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ، وذلك لحكمة جليلة هي امتحان إيمان الناس ، واختبار صدق يقينهم ، ليظهر المؤمن الصادق ، من الكاذب المنافق ، وليعيد لهذه الأمة التي اختارها الله ، قيادة ركب الإنسانية ، بعد أن تخلت عنها ردحاً من الزمان كما قال تعالى: {هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ...} [الحج: 78] .
فالكعبة المشرفة - زادها الله شرفاً وتعظيماً - هي رمز التوحيد - ومظهر الإيمان ، وقبلة أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن وحولها تلتقي أفئدة الملايين من المؤمنين لأنها مظهر وحدتهم ، وسرّ اجتماع كلمتهم ، فلا عجب أن يأمرهم الله تعالى بالتوجه إليها فِي صلاتهم ، أينما كانوا فِي مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ...} .
قال الإمام الفخر: (وقد ذكروا فِي تعيين القبلة فِي الصلاة حِكماً:
أحدها: أن العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لا بدّ أن يستقبله بوجهه ، وألا يكون معرضاً عنه ، وأن يبالغ فِي الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ فِي الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة فِي الصلاة يجري مجرى كونه مستقلاً للملك لا معرضاً عنه ، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه ، والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة .